اللغة العربية نبراس حياتنا، بها نجد ذاتنا ، وبها نستنشق طيب هوائنا
أهلا وسهلا بك في منتدانا ، منتدى اللغة الخالدة، يشرفنا التسجيل ، والمشاركة النشطة؛ لخدمة اللغة العربية الجميلة ..........
اللغة العربية نبراس حياتنا، بها نجد ذاتنا ، وبها نستنشق طيب هوائنا

كل ما يخص اللغة العربية ( أ / حسن غريب )

للحصول على أعلى الدرجات في مادتي اللغة العربية والتربية الدينية الإسلامية بادر بحجز نسختك المجانية من مذكرات الزعيم التعليمة (سلسة تعليمية معك في جميع المراحل التعليمية ) إعداد الأستاذ : حسن غريب ، الإسماعيلية.
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
علمتني الحياة ان أجعل قلبي مدينة بيوتها المحبة وطريقها التسامح والعفو، وأن اعطي ولا أنتظر الرد على العطاء، وأن اصدق مع نفسي قبل أن أطلب من أحد أن يفهمني، وعلمتني أن لاأندم على شئ وأن اجعل الامل مصباحا يرافقني في كل مكان
لا نبتغي العز من عبد إن العز إلا من عند الله ، والله يعلم أن ما نقدمه إنما هو لوجه الله ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا من عند الله ، والله على ما أقول شهيد
قالت جدتي يوما منذ آلاف السنين: كن نورا للتائهين، وأملا لليائسين، وعينا للنائمين، وقلبا للخائفين يا ولدي، كن قلما ثاقبا يشق ظلام الجهل، نحو هذا (وأشارت بإصبعها نحو هذا النجم المُعلق في السماء) فلن يصل نوره إليك قبل أن تصل بنورك إليه .
للاشتراك في مسابقة التفوق أدخل على الرابط التالي http://hassan.ahladalil.com/t313-topic
وقل الحمد الله- سبحان الله وبحمده - سبحان الله العظيم
قم بزيارة صفحتنا على الفيس بوك على العنوان التالى ( حسن غريب حسن )
تحية خاصة لشهداء الثورة الذين منحونا الحياة الحرة الكريمة
قالت لي جدتي يوما : " المخلص - يا ولدي - نورٌ في الظلمات .... يبقي يدور مع الأوقات .... لا يُــسْـــمِـــعُ صوتا أو خطوات ، لكن أثاره بينة ... جندولا أوله قطرات فتحية لها
عزيزي الطالب : احرص على اقتناء سلسلة الزعيم التعليمية؛ طريقك نحو التفوق.
عزيزي الطالب : احرص على اقتناء مذكرات الزعيم التعليمية، في اللغة العربية، لجميع المراحل التعليمية

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

نظرية اللغة بين عبد القاهر الجرجاني وتشومسكي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

أ / حسن غريب

avatar
مدير المنتدى
مدير المنتدى
دراسات ومقالات
نظرية اللغة بين عبد القاهر الجُرجاني وتشومسكي
د. عودة اللّه منيع القيسيّ
عمان -الأردن
قراءة لكتاب (في نحو اللغة وتراكيبها)
للدكتور خليل عمايرة قرأت كتاب الدكتور خليل عمايرة (في نحو اللغة وتراكيبها), والكتاب ذو فائدة لما فيه من نظرات جديدة. ولكنّ لي عليه بضعَ ملاحظات سؤأجلها إلى مقالة أخرى, وسأكتفي -هنا -بالمقارنة بين نظرية الإمام عبد القاهر الجُرجانيّ الذي عاش في القرن الخامس الهجري -الثاني عَشَرَ الميلادي -ونظرية الدكتور: نعوم تشومسكي الذي ولد في القرن العشرين.. عام -1928 -سأكتفي بالمقارنة بينهما لأهمية النًظريتين, ولأن عبد القاهر الجرجاني كان أدق فهماً لتكوُّن اللغة, كما أرى.

في الطبعة الأخيرة المنقحة لنظرية تشومسكي يعرض الدكتور العمايرة أهم النقاط فيها على النحو التالي: )وقدترتب على هاتين الفرضيتين (الفطرية والشمولية) فرضية أخرى تبرز في المصطلحين التاليين: الكفاية (Competence), والأداء -أو الإنجاز كما أرى -(Performance), فالكفاية تكون في امتلاك (المتكلم -السامع): (Ideal speaker-hearer) القدرة على إنتاج عدد هائل من الجمل من عدد محدود جدّاً من الفونيمات الصوتية, والقدرة على الحكم بصحة الجمل التي يسمعها من وجهة نظر نحوية تركيبية -كما ذكرنا قبل قليل -ثم القدرة على الربط بين الأصوات المنتجة وتجميعها في مورفيمات تنتظم في جمل, والقدرة على ربطها بمعنى لغويّ محدد. ذلك كله يتم بعمليات ذهنية داخلية يتم التنسيق بينها بما يسمى )إنتاج اللغة)...
)وهذه القواعد والقوانين وتلك القدرة كافيتان في الذهن, وأما استعمالها (أي استعمال اللغة) فيسمى الأداء. فالأداء هو الكلام أو هو الجمل المنتجة التي تبدو في فونيمات ومورفيمات تنتظم في تراكيب جملية خاضعة للقواعد والقوانين اللغوية الكامنة والمسؤولة عن تنظيم هذه الفونيمات والمورفيمات في تراكيبها, فهو (الأداء) الوجه الظاهر المنطوق للمعرفة الضمنية الكامنة باللغة, ولكن هذا الوجه قد لا يحصل بينه وبين الكفاية تطابق تام, فيكون فيه انحراف (خطأ) ناتج عن عوامل مقامية سياقية, أو ذهنية نفسية اجتماعية... إلخ.
وقد ارتبط بهاتين الفرضيتين فرضيتان أخريان في نظرية تشومسكي هما: البنية العميقة (Deepstrucure) والبنية السطحية (Surface Strucute). أما البنية العميقة فهي الأساس الذهني المجرد لمعنى معين يوجد في الذهن ويرتبط بتركيب جملي أصولي يكون هذا التركيب رمزاً لذلك المعنى وتجسيداً له, وهي النواحي التي لا بُدّ منها لفهم الجملة ولتحديد معناها الدلالي, وإن لم تكن ظاهرة فيها...
)وبصرف النظر عن الكيفية التي تأتي عليها البنية السطحية هذه فقد تكون, كما ذكرنا قبل قليل, وقد ينطق بها المتكلم مقدّما جزءاً من الجملة النواة على الآخر.. وهذا كله لا يقدم ولا يؤخر في المعنى الذي في ذهن المتكلم أو في الكشف عنه(1).) ص -56 -59).
أقول: إن معنى قول تشومسكي: إن اللغة فطرية.. هو أنّ الإنسان يستطيع أن ينتج اللغة ولا يستطيع ذلك سائر الحيوانات(2).. وتوضيح ذلك أن في الدماغ خلايا خلقت )مستعدة) لاستقبال اللغة. وهذا أمر بديهي(3), فالإنسان لا يُحصّل شيئاً من العلم, سواءً أكان في مجال العلوم أم الآداب أم المعارف الإنسانية, إلاّ إذا كان لديه استعداد فطري لذلك, أي: لديه خلايا في الدماغ تستطيع بالتعاون مع عُضويّة الجسم, ومع الوجدان خاصّةً (أي العواطف والمشاعر والأحاسيس) أن تستقبل شتى المعارف والعلوم, ولذلك.. لأن الإنسان لم يخلق لديه استعداد فطريّ للطيران -دون واسطة -لا يستطيع أن يطير على ارتفاع عشرين متراً, ولو ظلّ يتدرب طول حياته, بينما تستطيع ذلك الطيور, لأنها خلقت وفي جسمها استعداد للطيران, فتأخذ تطير بعد الولادة بأسبوع أو بشهر, يبدأ طيراناً ضعيفاً ثم يشتدّ.
إذن -تشومسكي -بهذا -لم يأتِ بشيء جديد غير معروف لكل العقلاء, أو على الأقل -لكل المثقفين العقلاء.
وإن معنى قولك إن اللغة شمولية.. هو أن هذه الخلايا التي في الدماغ فيها قدرة على تنظيم اللغة في قواعد وقوانين محدودة تمكن الإنسان من صوغ الجمل, ومن معرفة الصائب فيها من الخطأ, سواءٌ أكان هو المنتج لها أم كان غيره هو المنتج لها.

وأقول: هذا أمر سبق به ابن خلدون تشومسكي قبل ستة قرون; فابن خلدون يرى أن تكوُّنَ الملكة اللغوية (أو القدرة اللغوية) إنما يحصلُ من خلال سماع القول الفصيح وقراءته والدربة على استعماله. أي: إن الإنسان يقوم بعمليتين مترافقتين متعاقبتين: يتلقى اللغة شيئاً فشيئاً ويمارسها شيئاً فشيئاً(4). وأقول: إن هذا الكلام يعني أن الدماغ قابل لاستقبال اللغة, وقابل لإنتاجها في لحظات متعاقبة, بعضها للاستقبال وبعضها لإنتاج اللغة.

وأقول : إن القرآن الكريم سبق المفكريْن: ابن خلدون وتشومسكي, فقد قال تعالى: }والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون{ (النحل -78). فالربط بين العلم (لا تعلمون) بين السمع والأبصار والأفئدة.. هو دلالة على أن هذه الأشياء الثلاثة هي آلات لتحصيل العلم, إذْ لم يكن الإنسان ذا علم عند خروجه من بطن أمه, ولكن اللّه جعل في جسمه هذه الآلات الثلاث لتكون آلات لتحصيل العلم.
والفؤاد -من هذه الآلات الثلاث -هو القلب, قال أبو ذؤيب الهُذَلي يصف امرأة جميلة:
.. رآها الفؤادُ فاستضلّ ضَلالُهُ : نِيافاً من البيضِ الحسانِ العطائلِ(6)
والقلب هو العقل, أو إن العقل والقلب بينهما اشتراك, قال تعالى: }أفلم يسيروا في الأرض? فتكون لهم قلوب يعقلون بها{ (الحج -46) فالقلب يدفع الوعي إلى العقل, والحق أن العقل لا يفكر إلا إذا حفزه حافز من القلب (أو الوجدان), أما ترى أن المرء لا يقوم بعمل جسماني أو فكري إلا إذا وجد عنده -الرغبة -في ذلك. ولن تكون رغبة بغير حفز من القلب (الوجدان) الذي يحرك العواطف والمشاعر والأحاسيس.
وقد وضّحَ رسولنا محمد -ص -قول القرآن السابق بقوله: )ألا إنّ في الجسدِ مُضغةً, إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كُلُّه, وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه, ألا وهو القلب(7). ذلك لأن القلب هو الذي يحرك العقل للعمل والتفكير.
ننتهي من هذا أن الفؤاد هو القلب, ولأن القلب بينه وبين العقل ارتباط شديد وهذا )يؤدي إلى أن نقول: إن آلات الجسم توصل بما تحصّله من لغة ومعارف إلى العقل, ثم يستقرّ كل نوع منها -لغة أو معارف -في الخلايا التي تخصه في الدماغ, وكلّ نوع من هذه الخلايا يقوم بثلاثة أعمال: الأول -استيعاب المادة التي تصل إليه. والثاني -تكيّف الخلايا مع هذه المادة لتصبح مقولبة بالقوالب التي تنتج نوع المعرفة المخصوصة, والثالث -إنتاج المعرفة المخصوصة, وإنتاج وحدات إبداعية في مجالها, مثلاً.. قوالب اللغة تستوعب ما يأتيها من ألفاظ وتعابير وتراكيب, ثم تتقولب بالقوالب التي تطرحها هذه اللغة, ثم تصبح هذه القوالب قادرة على إفراز كثير مما وصلها من اللغة, وعلى إنتاج ما لا يُحصى من الألفاظ (المشتتة غالباً) ومن التعابير التي تأتي على هدي القواعد التي استقرت في (الخلايا -القوالب).
2 -ويقول الدكتور العمايرة: (فليس الأمر -فيما يرى تشومسكي -اكتساباً, كما يراه السلوكيون, يتم بالتقليد والمحاكاة والتخزين في الذهن الذي يولد صفحة بيضاء)(5).
أقول: إن نظرية تشومسكي لا تقول إلا نصف الحقيقة, وإنّ نظرية السلوكيين تقول نصف الحقيقة الآخر, أعني أن اللغة لا تكتسب إلا بواسطة شيئين: الأول -وجود خلايا في الدماغ مستعدة لاستقبال اللغة, والثاني وجود لغة تحلّ في هذه الخلايا عن طريق الاكتساب, وبهذا يكون رأي ابن خلدون أقرب إلى الصحة من الرأيين السابقين, لأنه جمع بين الاكتساب والاستعداد للاكتساب, تقوم بهما خلايا في الدماغ.

3 -وأقول: إن الكفاية والأداء.. القدرتين اللتين وردتا في النص الذي نقلناه من شرح الدكتور العمايرة لنظرية الدكتور تشومسكي لا تختلفان كثيراً عن الفطرية والشمولية اللتين تحدثنا عنهما سابقاً. فالكفاية تعني تخزين اللغة, مفردات وتعابيرَ, وخلال ذلك تتكون خلايا اللغة في الدماغ القواعد والقوانين التي تسير عليها اللغة, والتي تؤدي إلى أن تكون هذه الخلايا قادرة على إنتاج عدد غير محدود من الجمل -عن طريق هذه القواعد -من عدد محدود من الجمل أو القوالب, ولكنها تظل في حالة سكون حتى يثيرها مثير خارجي أو داخلي, فتبرز منها -عملياً -الجمل التي تناسب هذا المثير, وه¯ذا.. ه¯و
الأداء, هو القدرة على الإنتاج الفعلي للجمل المرتبطة بالمثير والتي تعبر عن معنى.
ومثل هذا.. قاله الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز), منذ القرن الخامس الهجري -الثاني عشر الميلادي ¯¯, قال: )وإذا كان لا يكون في الكَلِم نظم ولا ترتيب إلا بأن يُصنع بها هذا الصنيعُ ونحوه, وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء, ومما لا يتصوّر أن يكون فيه ومن صفته.. بانَ لك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم, وأن الكلِم يترتب في النطق حسب ترتيب معانيه في النفس, وأنها لو خلت من معانيهاحتى تتجرد أصواتاً وأصداءَ حروفٍ.. لما وقع في ضمير ولا هَجَسَ في خاطر أنه يجب فيها ترتيب ونظم, وأن يُجعلَ لها أمكنة ومنازل, وأنه يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك(Cool).

أقول: قوله: إن اللفظ تبع للمعنى في النظم, وأن الكلم يترتب في النطق حسب ترتب معانيه في النفس) يعني شيئين: الأول -أن المرء لا يستقبل ألفاظاً دون معانِ, وغالباً ما تأتي الألفاظ في تعابير تقوم على معانِ مركبة. وثانياً -أنه ينطق الألفاظ -غالباً -في تعابير تترتب في النطق والكتابة حسب ترتيب معانيها في النفس (أي العقل) وهذا, يعني أن مستقرّ المعاني هو النفس (العقل), ولن تستقر المعاني في العقل لولا أن لها خلايا معيّنة فيه قادرة على الاستقبال, ولن تكون قادرة على الاستقبال لولا أن تكونت فيها مسارب (قوالب) للمعاني وللألفاظ, كمفردات وتعابير تقوم على أساس هيئات تراكيب تكونت في هذه الخلايا. وهذه المسارب وهذه التراكيب قادرة على التعبير بالألفاظ حسب ترتيب المعاني فيها. ولمّا كانت المعاني غير متناهية فهذا يعني أن هذه المسارب وهيئات التركيب قادرة على توليد ما لا يحصى من المعاني, وإلاّ. لما استطاع متكلم أن يأتي بجديد في المعنى الذي يستتبع ألفاظاً جديدة أحياناً, أو ترتيب ألفاظ قديمة ترتيباً جديداً, أو جمعاً بين بعض الألفاظ الجديدة والقديمة مع ترتيب جديد لها.
إذن -عبد القاهر الجرجاني سابق لتشومسكي بقرون في معرفة هذه النظرة اللغوية.
وهنا.. يحسن أن نلاحظ أن عبد القاهر الجرجاني قال بأن الألفاظ تترتب حسب ترتب المعاني في (النفس) ولم يقل: في العقل. لأن العقل لا يتحرك, كما قلنا في الرقم الأول, إلا إذا حركته النفس. ولهذا.. فاستنفار العبارات في خلايا من الدماغ لا يكون إلا إذا حركت الدماغَ النفسُ (الوجدان), ولهذا يختلف ترتيب المعاني في العقل, وترتيبَ الألفاظ تبعاً لذلك -في مجال العلم أو الفكر عن ترتيبهما في مجال الأدب, لأن النفس تكون مستقرة إلى حدّ كبير عند التفكير العلمي والفلسفي والنقد -على تفاوت في استقرارها -إنها تتحرك بنسبة عشر درجات في المئة إلى عشرين, وبذلك.. يكون حفزها للعقل محدوداً, مما يقي الألفاظ المستنفرة على ترتيب بسيط, مثلاً.. يأتي الفعل ثم الفاعل ثم يأتي المفعول. وهكذا.. تخرج إلى الوجود.

أما في مجال الأدب فإن حركتها تكون عنيفة, على تفاوت بين المشاعر عند إنشاء الرواية.. عنها عند إنشاء القصة.. عنها عند إنشاء الشعر. تكون حركتها قوية جدّاً في الشعر العظيم بحيث تبلغ ستين درجة بالمئة أو أكثر. وتهبط إلى خمسين بالمئة أو أقل في القصة, ولكنها تهبط إلى ثلاثين بالمئة في الرواية, وبهذا.. يكون حظّ العاطفة أكثر من ضعف حظّ العقل في الشعر, ثم يزداد حظ العقل قليلاً في القصة, ثم يربو على حظ العاطفة في الرواية. على هذا.. يكون التعبير في الشعر العظيم أكثر تعقيداً وتغييراً لترتيب الألفاظ الطبيعي في التعبير من ترتيبها في القصة. وفي القصة أكثر منه في الرواية, وطبعاً يكون في الرواية أكثر منه في العلم ثم الفكر, فلسفةً ونقداً, بل إن جَيَشان العاطفة في الشعر يضع أمام العقل صوراً -تشبيهات ومجازات -لا يضع أمام العقل مثلها في العلم, إذْ يكاد العلم يكون خالياً من الصور.. من التشبيهات, وخاصةً من الاستعارات.
ولنمثل على لغة الشعر ببيتين: أحدهما للدلالة على تعقيد التركيب في الشعر, والآخر للدلالة على اهتمام الشعر بالصور: يقول الأخطل الأموي في وصف النساء الجميلات على الظعائن:
.. حَثوا المطيّ فولتنا ركابُهُمُ : وفي الخُدورِ, إذا باغمتها, الصُّوَرُ(9)
في الشطرة الثانية.. الترتيب البسيط هو: )الصور في الخدور إذا باغمتها). ولكنك ترى بهذا الترتيب الذي قدمنا به المبتدأ (الصور) ثم جاء بالمتعلق بالخبر (في الخدور) ثم بالشرط (إذا باغمتها) -ترى أن جمال الشطرة ضاع, وأن إحكام التركيب تفكك, وأن الكلام أصبح نثراً رديئاً. ولكن في حالة ترتيب الشاعر للشطرة.. جاء الكلام محكما; فقد قدم متعلق الخبر (وفي الخدور) لأهميته, لأن النساء مسافرات, والشاعر يريد أن يسبق إلى ذهن المتلقي إلى أن هؤلاء النسوة منعمات, لا يمشين على أرجل وإنما هن على الظعائن وفي الخدور أيضاً, أي: لكل منهن خِدْرُ على ظهر الناقة يقيها الحرّ والبرد ونظرات المتطفلين, فهن منعمات مصونات, ثم.. قدم الشرط (إذا باغمتها) قبل المبتدأ (الصور) ليشعرك أنهن لسنَ سوقيات يُثرْثرنَ مع الغادي والرائح, وإنما هن متعززات لا يكلمن إلا من يهفو إلى كلٍّ منهن. ومن دلائل أنهن منعمات أنهنّ لا يُصوّتن من حلوق خشنة, وإنما هنّ يُساقطن الكلام كالبُغام (والبغام صوت الظبيةُ) فهو يخرج من اللسان والشفاه لا من الحلق.
وأظنك الآن أدركت من الكلام السابق: لماذا أضرّ المبتدأ (الصوَر) فلا بدّ من الاحتراس قبله بأن هؤلاء النسوة الجميلات في الخدور, ثم.. إن -البغام -لا يناسبه إلا الصّورُ من النساء أي: الجميلات, لأن المصور (الرسام) غالباً ما يجوّدُ الصورة حتى تكون أقرب إلى المثال, فالصوت الرقيق الرخيم لا يصدر إلا من المرأة المنعمة الحسناء.
ويقول الفرزدق عن غزو الشيب الشباب, مهتماً بالصور:

والشيبُ ينهضُ في الشباب كأنه ليلٌ يصيح بجانبيه نهارُ
فالشيب أصبح في نفس الشاعر من الأحياء ينهض ليطرد الشباب (ممثلاً بالشعر الأسود) ثم.. شبهه بصورة الليل يقتحم مجامعَ النهارُ. ثم شخّصَ النهار والليل; فالليل كقطيع الأغنام الأسود, والنهار كالراعي يصيح بجانبي قطيعه, لكي ينطلق في الصباح إلى المرعى.
ولن تجد مثل هذا البيت والذي قبله في نصّ علمي أو فكري.

4 -أما البنية العميقة والبنية السطحية في نظرية تشومسكي,
كما اصطلح على تسميتهما الدكتور العمايرة.. فإني لا أرى أن هذين المصطلحين دقيقان, وأدق منهما أن نقول: البنية الخفيّةوالبنية الظاهرة. لأن تسميتهما بالبنية العميقة والبنية السطحية يعني أن البنية الأولى ذات تركيب وعمق, أما الثانية فهي بسيطة ساذجة, مع أن البنية الثانية هي صورة ظاهرية عملية للبنية الداخلية المجردة.. غالباً..
ولهذا.. فالتسمية التي اقترحتها هي أقرب إلى الصحة, فليس الفرق بينهما -غالباً -أن الأولى أفضل من الثانية, بل الفرق بينهما فرق مكان; فالأولى كامنة في موضعها من الدماغ, والأخرى صيغة عملية منطوقة أو مكتوبة, ولهذا.. فلا مندوحة من أن نترجم (Deep) بالداخل و (Surface) بالظاهر.
ثم.. فمن حيث المعنى فلا جديد يطرحه هذان المصطلحان, إذ هما يعيدان ما قيل سابقاً في الرقم الأول. وهو أن البنية الداخلية كما سميتها هي الخلايا التي تستقبل اللغة, ثم يؤدي ورود اللغة إليها شيئاً فشيئاً إلى تخزينها وإلى نمو القوالب (القواعد والقوانين) في هذه الخلايا شيئاً فشيئاً -هذه القوالب التي يقاس بها صحة اللفظ من خطئه, ويقاس بها صحة التعبير من خطئه كذلك.
أما البنية الظاهرة.. فهي التجسيد العملي -المنطوق والمكتوب -لما استقر في هذه القوالب. وقد يكون مجرد استرجاع لما استقرّ في تلك القوالب, وقد يكون )إبداعاً) يجري على بنية هذه القوالب, ولكن بتشكيل جديد مُبدع للمعاني والألفاظ, لأن هذه القوالب مرنة بحيث تسمح بالتدفق الجديد أو الفيض الإبداعي.. معنىً وصوراً وتعابيرَ.

5 -مقولة: (.. فهو (الأداء) الوجه الظاهر المنطوق للمعرفة الضمنية الكامنة باللغة . ولكن هذا الوجه قد لا يحصل بينه وبين الكفاية تطابق تام, فيكون فيه انحراف (خطأ) ناتج عن عوامل مقامية سباقية, أو ذهنية نفسية اجتماعية... ... إلخ).

أقول: هذا الأمر تحدث عنه الجرجاني بقولهSmile... فلستَ بواجد شيئاً يرجع صوابه -إن كان صواباً -وخطؤه -إن كان خطأ -إلى (النظم), ويدخل تحت هذا الاسم, إلاّ وهو معنى من معاني النحو قد أُصيبَ به موضعه ووضع في حقه, أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه, واستعمل في غير ما ينبغي له, فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم أو فساده, أو وصف بمزيةٍ وفضل فيه إلا.. وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه, ووجدته يدخل في أصل من أصوله, ويتصل بباب من أبوابه)(10).

أقول: إن اعتبار الجرجاني النظم -صحةً وفساداً -راجعٌ إلى معاني النحو, أي: راجعٌ إلى القالب الذي تشكل في خلايا الدماغ التي تخصّ اللغة, يماثل هذا الذي سماه تشومسكي الكفاية, لأن معاني النحو راسخة في الخلايا المذكورة آنفاً.
وصحة النظم وفساده ترجعان إلى معاني النحو أي: إن صحة النظم وفساده إنما هي الصورة القولية الظاهرة, أي: هذا الأداء, كما عبر عنه تشومسكي, (الاختلاف في التعبير وليس في المعنى المركزي), ومعاني النحو هي الكفاية, كما أسلفنا, والجرجانيّ, ليؤكد نظرته, يضرب مثلاً على صحة النظم, وآخر على فساده.ومن أمثلته على صحة النظم التي تعني اتفاق التعبير مع معاني النحو, أي: اتفاق البنية الخارجية مع البنية الداخلية -قول البحتري :
(.. بلوْنا ضرائبَ من قد نرى : فما إنْ وجدْنا لفتح ضريبا
هو المرءُ أبدت له الحادثا : تُ عزماً وشيكاً ورأياً صليبا
تنقّلَ في خلقي سُؤدَدِ : سماحاً مرجىً وبأساً مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا : وكالبحر إن جئتهُ مستثيبا)
ثم.. يوضح جوانب الجمال في الأبيات فيقول: (أفلا ترى أن أول شيء يروقك منها قوله: (هو المرء أبدت له الحادثات) ثم قوله: (تنقل في خلقي سُؤدد) بتنكير السؤدد, وإضافة الخلقين إليه. ثم قوله: (فكالسيف), وعطفه بالفاء مع حذفه المبتدأ, لأن المعنى.. لا محالة: فهو كالسيف, ثم.. تكريره الكاف في قوله: (وكالبحر).. ثم.. أن قَرَن إلى كل واحد من التشبيهين شرطاً جوابه فيه. ثم.. أن أخرج من كل واحد من الشرطين.. حالاً على مثال ما أخرج من الآخر, وذلك قوله: (صارخاً) هناك, و (مستثيباً) ها هنا? لا ترى حسناً تنسبه إلى النظم ليس سببهُ ماعددتُ, أو ما هو في حكم ما عددتُ(11)). أي: ليس سببه إلا قوالب النحو الراسخة في الدماغ.
ومن أمثلته على فساد النظم أي: انحراف القول الظاهري عن البنية الداخلية, أي: انحراف الأداء عن الكفاية (الفرق فرق اصطلاحات وليس فرق حقائق) قال: مثال ذلك قول المتنبي:
.. وفاؤكما كالربع أشجاهُ طاسمُ : بأن تُسعدا والدمعُ أشفاهُ ساجُمهْ)
ومع أنه لم يحلل البيت لكنه ضربه مثلاً على فساد النظم, ونظم البيت دون انحراف (وفاءوكما بأن تسعداني -أيها الصديقان -وتهتما بأمري .. كلما كان أكثر عفاء كان أكثر جلباً للحزن, كما أن الدمع يشفي من الحزن إذا كثر انهماله).
6 -وقول تشومسكي الأخير الذي أورده الدكتور العمايرة بأنه قد ينطق بالبنية السطحية المتكلم.. مقدّماً جزءاً من الجملة النواة على الآخر). وهذا كلّهُ لا يقدم ولا يؤخّر في المعنى الذي في ذهن المتكلم أو في الكشف عنه(12).

أقول: قد نعذر تشومسكي بهذا القول بعض العذر -لا كلَّه -لأن تغيير الترتيب في الجمل في اللغة الإنجليزية قليل, فهي, على الأغلب, ذات قوالب جامدة, خلافاً للغة العربية ذات القوالب المرنة. ولكن الحق أن تغيير الترتيب يؤدي إلى تغيير في معنى (ظلال) التعبير, وإن لم يؤثر في المعنى (المركزي) أو الغرض, كما سماه الجرجاني أو المعنى (النواة) كما سماه تشومسكي. اقرأ ما يقوله الجرجاني عن هذا التغيير, يقول )لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها.)(13) ونمثل على ذلك بقوله تعالى: }ولكم في القصاصِ حياةٌ, يا أولي الألباب{ (البقرة -179), فلو قال أحد الناس: (ولكم حياة في القصاص) -(تغير المعنى كثيراً, لأن القرآن الكريم عندما قدم (في القصاص) على (حياة) إنما كان ذلك ليوجه الأنظار إلى -القصاص -لأهميته, لأن القصاص يقلل نسبة القتل العمدِ كثيراً, فمن ينوي القتل يتردّد كثيراً قبل أن يُقْدِم, لأنه يعلم أن مصيره القتل بالقصاص. ولا شك أن الذي يعلم أنه إذا قتل رجلاً عمداً سيسجن ولن يُقتل قصاصاً فإنه يكون أجرأ على القتل عشر مرات من الذي يعلم أنه مقتول لا محالة إذا قَتَل. فإذا أضفت إلى ذلك أن المتلقي للعبارة (في القصاص) يتوقع أن يكون تمام العبارة (قتل القاتل) ولكن يجد كلمة تسوّغ قتل القاتل وهي كلمة (حياة) فيحسّ, براحة وتعجب وعثور على كنز لم يكن يخطر له ببال, وليس شيء من هذا يكون لوقدمت (حياة) وأخّرت (في القصاص). إن الفرحة المفاجئة التي لم نكن ننتظرها أو نتوقعها الآتية من عبارة القرآن تفتقدها في عبارتنا التي غيرت بها ترتيب عبارة القرآن, لا شكّ أن المعنى المركزي لا يتغير, ولكنّ ظلاله تغيرت كثيراً كما عرفت آنفاً.

وأخيراً.. نلخص ما سبق في النقاط الثماني الآتية :-

- مصطلح الفطرية الشمولية.. مضمونهما بديهي; إذ لا يمكن أن يتعلم الإنسان شيئاً -لغة أو غير لعة.. لولا أنه مزود باستعداد فطري لذلك. ثم.. لا يمكن أن يأتي بجديد في الفكر والأدب لولا أن عقله قابل لتكوين قوالب لفظية محدودة.. قادرة على إنتاج عبارات غير محدودة. وهذا.. فهم كان ابن خلدون قد سبق في توضيحه تشومسكي. والقرآن الكريم سبق في توضيح ذلك ابن خلدون وتشومسكي.
- اللغة اكتساب, كما يقول السلوكيون, لا يتم لولا أن في خلايا الدماغ ما يستقبل اللغة ثم يتكون في قوالب قادرة على إنتاج اللغة.
- لا فرق كبيراً بين الفطرية والشمول من جهة وبين الكفاية والأداء من جهة أخرى, وهذان المفهومان سبق بهما الجرجاني تشومسكي بثمانية قرون.
- أدرك الجرجاني أن للنفس علاقةً قويةً في استيعاب اللغة وفي إنتاجها.. إلى جانب عمل العقل في هذين الأمرين.
- عمل النفس وحفزها للعقل للاستيعاب ثم الإنتاج يقوى في مجال الأدب, ويقلّ في مجالي العلم والفكر.
- مصطلح البنية الداخلية والبنية الظاهرة.. أدق من مصطلحي البنية العميقة والبنية السطحية.
- التطابق التام بين الأداء والكفاية لا يكون في القرآن الكريم ويكون بنسبة عالية في الأدب الرفيع, ويضعف في الأدب الرديء, وقد تكلم عن هذا الأمر اللغوي النقدي الإمام الجرجاني.
- ليس صحيحاً أن تغيير ترتيب الكلام لا يؤثر على ظلال المعنى. المعنى المركزي قد لا يتأثر, ولكن ظلال المعنى تتأثر. لقد أدرك الجرجاني هذا بوضوح, ولم يدركه تشومسكي
.

http://hassan.ahladalil.com

2 ما شاء الله في السبت 18 فبراير 2017 - 13:36

أ / حسن غريب

avatar
مدير المنتدى
مدير المنتدى
عبد القاهر الجرجاني علامة الأمة


_________________
مع خالص تحياتي
أ / حسن غريب
لا تنسوا الدعاء لي بالهداية والتوفيق

( اللغة العربية منبع سعادتى ... بها أجد ذاتي ، وكياني ، وأستنشق طيب هوائي )
http://hassan.ahladalil.com

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى